ناجي العزام: الوطني الأصيل والمناضل الواعي

التعليقات · 202 الآراء

أن الناظر بتمعن للحراك السياسي الاجتماعي، الذي صبغ الحقبة الممتدة من أواخر العهد العثماني، وحتى بعيد مرحلة التأسيس، يلحظ أن شرق الأردن كان ميداناً لإرهاصات ا?

هزاع البراري - أن الناظر بتمعن للحراك السياسي الاجتماعي، الذي صبغ الحقبة الممتدة من أواخر العهد العثماني، وحتى بعيد مرحلة التأسيس، يلحظ أن شرق الأردن كان ميداناً لإرهاصات المشروع النهضوي العربي، منذ مفتتح القرن الماضي، مع الممارسات التي واكبت مد سكة حديد الحجاز، وإحكام القبضة التركية على المنطقة بخلاف المعتاد سابقاً، وقد نتج عن ذلك مظاهر التمرد والثورة، حيث شكلت ثورة الكرك عام 1910م، الممهد الحقيقي لاندلاع الثورة العربية الكبرى، وقد كان شمال الأردن بزخمه البشري، ونشاطه الزراعي والتجاري، قلب الحراك النضالي في وسط بلاد الشام، في وقت شكلت فيه بلدات وقرى حوران وحدة جغرافية وتراثية واحدة، بعيداً عن تقسيمات الحدود السياسية الحديثة، فما يجرى في دمشق يتردد صداه في قضاء جبل عجلون، وتستجيب له قلعة الكرك برجالها النشامى، لذا لعبت قرى ومدن الشمال دوراً لافتاً في الحراك السياسي المتغير، والذي أعاد تشكيل المنطقة، وأدخلها في دوامة من الاضطرابات العسكرية، نتيجة للاستعمار، والهجرة اليهودية لفلسطين.

كان لرجالات بلدات اربد ومحيطها، ومن ضمنها تجمع قرى الوسطية، مكانتهم في سير الأحداث المتلاحقة، التي نتجت عن تصرفات جماعة الاتحاد والترقي العنصرية، المتزامنة مع ضعف الإمبراطورية العثمانية، وانكشاف الأطماع الغربية بالمنطقة العربية الخاضعة للسيطرة العثمانية، في ظل هذه التحولات وتبعاتها ولد ناجي باشا العزام في قرية (حوفا) التي تعد بؤرة ناحية الوسطية، وقد كانت ولادته في نحو عام 1873م، منتمياً بذلك إلى المرحلة الصعبة، فعائلته ذات مكانة مرموقة، تحظى بمكانتها الاجتماعية في قضاء عجلون كاملاً، الذي يضم إقليم الشمال حتى حدود درعا، فلقد كان جده كليب عضواً في مجلس الإدارة والدعاوي، التابع لقضاء عجلون، أما والده (زيد العزام) فقد ذاع صيته كقاضٍ عشائري، لا يشق له غبار، عرف بسعة معرفته بشؤون القضاء وتحري العدل في أحكامه، أما شقيقه الأكبر (شلاش) فأعتبر شيخ العشيرة، واختير عضواً في مجلس إدارة القضاء عام 1911م. (د.محمد العناقرة)

نشأ ناجي العزام في بيت الزعامة، وتشرب منذ نعومة أظفاره، العادات الحميدة وتربى على الشجاعة والكرم، وخدمة أهله ووطنه مهما تطلب ذلك من مشاق وتضحيات، وفي ظل ما عانته المنطقة من إهمال، وافتقارها للخدمات التي ظنت بها الدولة العثمانية على البلاد العربية، فلم تتوفر مدرسة قريبة، التحق ناجي العزام بالكتاتيب التي تعلم فيها القراءة والكتابة والحساب، وحفظ عدداً من السور القرآنية، وكان مؤهلاً لتسلم المسؤولية التي ورثها عن عائلته، فلقد تسلم مشيخة العشيرة بعد وفاة شقيقه شلاش في العام 1916م، وبذلك أصبح زعيماً لناحية الوسطية، مما ألقى على عاتقه مسؤوليات ومهام لم تكن بالسهلة، بحكم المرحلة التي فرضت استحقاقاتها، فلم يتوان عن أخذ المواقف الوطنية، التي جعلته بصدام مع العسكر العثمانيين، فلقد تكالبت سنوات المحل، وتزايد فرض الضرائب على الفلاحين، من ضمنها تقديم الحبوب (السوقيات) للحامية التركية في درعا، بالإضافة لكميات كبيرة من الحطب، التي استعملها الأتراك لتسيير القطارات، فطلب ناجي العزام من المخاتير، توصية الفلاحين التوقف عن إرسال الحبوب والحطب، مما أغضب الأتراك، وعندما علموا أن زعيم المنطقة كان دفع بالفلاحين للتمرد، أرسلوا له ضابطاً يستوضح الأمر ملوحاً بالتهديد، فرد عليه أنه لم يتبق لدينا من الحبوب إلا البذار، أم أنكم ستمنعون الزراعة أيضاً، وقد دل هذا الموقف على ما تمتع به من رؤية ثاقبة، وشجاعة في تحمل عقبات المواقف الجريئة، التي تصب في صالح الدفاع عن الناس، وكرامة الوطن والموطن.

وقد مهد هذا التوجه لدى ناجي العزام، للدخول إلى النضال السياسي الحر، عندما أخذت البلاد العربية تشهد حراكاً مناهضاً للعنصرية التركية، فبادر للمشاركة في المؤتمر السوري الأول الذي عقد في دمشق عام 1919م، الذي نادى باستقلال سوريا الطبيعية، ورفض المزاعم اليهودية في فلسطين، وقد مثل مع رجالات من شرق الأردن البلاد في هذا المؤتمر، وقد قاده حسه الفطري، إلى إدراك أهمية الوحدة والحرية، كسبيل لحفظ الوطن وتحقيق التنمية المنشودة، لذا لم يغب عن المؤتمر السوري الثاني، الذي عقد في العام 1920م، وقد نودي بالأمير فيصل بن الحسين ملكاً على سوريا، في تحد للقوى الاستعمارية في ذلك الحين فرنسا وبريطانيا، وقد شارك العزام في حفل تتويج الملك فيصل على عرش سوريا، وبذلك أصبح شرق الأردن تحت الحكم العربي الذي اتخذ من دمشق عاصمة للدولة السورية العربية، لكن فرنسا انتصرت على القوات العربية في معركة ميسلون، وسقطت الحكومة العربية، وكانت نتيجة ذلك قاسية على المشروع العربي.

عانت منطقة شرق الأردن من فراغ سياسي، بعيد سقوط الحكومة العربية، وقد شارك ناجي العزام في الحكومة المحلية التي شكلت لتسيير شؤون القضاء، وكانت الحكومة برئاسة القائم مقام علي خلقي الشرايري، وقد شارك فيها كل من محمود الحمود، سالم الهنداوي، قويدر عبيدات، عبد الرحمن ارشيدات، تركي الكايد، وسعد البطاينة، أحمد مريود، محمود الفنيش، لكن الخلافات أضعفت هذه الحكومة، وقد أنشأ ناجي العزام ما يشبه الحكومة المستقلة في ناحية الوسطية، وإن بقيت تابعة اسمياً لحكومة قضاء عجلون، غير أن تجربة الحكومات المحلية لم تنجح، حيث عانت من ضعف الإمكانيات، وقلة الخبرات الإدارية، وقد لمس رجالات البلاد وأحرار العرب، ضرورة أن يرسل قائد الثورة العربية الكبرى الشريف الحسين بن على، أحد أنجاله إلى الأردن لتكون قاعدة لدولة عربية تضم سوريا الطبيعية، وقيادة النضال ضد المستعمر، وقد استجاب شريف مكة، وبعث بالأمير عبد الله بن الحسين، الذي وصل معان جنوب الأردن، فتوافد عليه رجالات البلاد مؤيدين ومناصرين وكان من بينهم ناجي العزام.

وقد وصل الأمير عبد الله إلى عمان، حيث أعلن إمارة شرق الأردن، ووحد البلاد تحت حكومة مركزية، عاصمتها مدينة عمان عام 1921م، فكان ناجي العزام من مناصري العهد الجديد، ورأى فيه مستقبل البلاد، وقد ربط العمل الوطني، والخدمة الدائمة للناس، بين ناجي العزام والأمير عبد الله، فكثيراً ما ترافقا في الزيارات الداخلية، ورحلات الصيد، وقد استضاف العزام أمير البلاد، في مضافته وفي بلدة (قم) خلال زيارات الأمير لناحية الوسطية، للاطمئنان على أوضاع الناس والتواصل معهم، وقد منح ناجي العزام لقب باشا، تقديراً لجهوده في الخدمة العامة، ولمكانته الاجتماعية ودوره المؤسس.

 خاض العزام انتخابات المجلس التشريعي، التي أقيمت عام 1932م، وحقق فيها النجاح، وبذلك أصبح عضواً في المجلس التشريعي، وكان هذا دور جديد لعبه بكل كفاءة واقتدار، وظف فيه خبراته المختلفة في العمل الاجتماعي والسياسي، وتجربته القصيرة في الحكومات المحلية، لم يتخل العزام عن دوره الوطني أو القومي، فقد دعا رجالات قضاء عجلون، إلى الاجتماعي في مضافته، بما عرف فيما بعد بمؤتمر (قم) وقد ناقش المؤتمرون الأوضاع في فلسطين، وقرروا إرسال قوات لنصرة الفلسطينيين، ضد الانجليز واليهود، وقد خاضت هذه القوات معركة شرسة في قرية سمخ، مما اضطر الانجليز لاستخدام الطائرات، فسقط عدد من الشهداء على رأسهم كايد المفلح العبيدات، لقد أدى ناجي العزام دوره على أحسن وجه، في المجالات كافة، وقد اتصف في كل ذلك بالشجاعة، ونبل الأخلاق، فقد كان كريم النفس يتوخى العدل والإنصاف، وقد ترك أثراً لا يمحى فهو أحد الوطنيين الذين لم يبخلوا بشيء، وتركوا لنا وطناً كبيراً بأحلام رجاله المؤسسين، يخطو نحو المستقبل بثقة تتجذر كل يوم.

التعليقات

تطبيق الهواتف الذكية (هنا الناس.نت)

اضغط على الرابط التالي لتنزيل وتثبت التطبيق

من متجر جوجل بلاي:

》》》إضغط هنا 《《《